محمد ابو زهره

38

خاتم النبيين ( ص )

ولكنه لم تبلغ إليه رسالة ربه في أرض مصر منبته ، ومرباه ، بل كلمه ربه من وراء الشجرة خارج مصر حيث البلاد العربية . ذلك أن موسى عندما قتل من المصريين رجلا اعتدى على اخر من بني إسرائيل قوم موسى ، وحرض على أن يقتل اخر لولا أنه أدرك أن هذه فتنة ، وقال لمن حرضه من قومه إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ « 1 » ، ولما أخبر أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه خرج من مصر ، واتجه تلقاء مدين وهو يحس بالحاجة إلى الغوث والمعونة ، وهو يقول رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ « 2 » ، وهو يقول أيضا راجيا الهداية من ربه : عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ . « 3 » وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ « 4 » : أي تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم غيرهما . وكانتا لا تسقيان غنمهما إلا من فضل الماء الذي يبقى بعد سقى الرجال ، وأنهم كانوا بعد سقيهم يضعون صخرة على العين ، فلا تتمكن الفتاتان إلا من سقى غنمهما من فضل الرجال ، فقال موسى الفقير إلى رحمة الله ، للفتاتين الضعيفتين في بدنهما كما هو ضعيف النفس لفقره ، والضعيف يحنو على الضعيف ما خَطْبُكُما قالتا : لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ « 5 » فجاء موسى إلى الصخرة فرفعها بعد أن صدر الرعاء وسقى لهما . بعد ذلك قصت الفتاتان على أبيهما قصة القوى الأمين ، فاستأجره ثماني حجج أو عشرا ، حتى انقضت المدة ، وهي عشر سنين لأنه قضى أطول الأجلين ، أي أتمها عشرا . فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً ، قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ . فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ « 6 » . ومدين كما جاء في قصص الأنبياء لأبى الفداء ، هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة ، وهم قوم شعيب عليه السلام ، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام . فمدين كما ترى من بلاد العرب ، هي التي جاءت فيها الرسالة . بعد أن أقام موسى عليه السلام فيها عشر سنين ، بعد فيها عن بيئة فرعون فصفت نفسه . وقد يقال إن النص يفيد أنه كان بجانب الطور ، أي في أرض سيناء ، ونحن نقول أن ذلك حق ، ولكن بعد أن صفت نفسه من فرعون واثاره وطغيانه ، وتربيته قومه على الذلة والخنوع ، حتى كان في مصر الرخاء والخصب والذلة مجتمعات .

--> ( 1 ) سورة القصص : 18 . ( 2 ) سورة القصص : 24 . ( 3 ) سورة القصص : 24 . ( 4 ) سورة القصص : 23 . ( 5 ) سورة القصص : 23 . ( 6 ) سورة القصص : 29 ، 30 .